رقم قياسي للاعتقال الاحتياطي وقضاة تخضع وجباتهم الغذائية للتفتيش وكتاب ضبط مهددون بالإيقاف
لا ينكر أحد أن الحق في العدل مبدأ أساسي في كل القوانين، وكل النصوص والاجتهادات القانونية سعت إلى تبجيل قدسية العدالة لإنصاف المظلومين، في احترام للجسم القضائي.
في البيضاء، الصورة معكوسة تقريبا، فكل مشتبه فيه مصيره الاعتقال الاحتياطي، ولو توفرت فيه كل الضمانات القانونية. وأنين قضاة محتجين يكاد يسمع خارج البناية الإسمنتية لمحكمة القطب الجنحي، وكتاب الضبط وأسرهم مهددون بالإيقاف، ونواب للملك عاطلون عن العمل..
إنها مشاهد تتكرر يوميا، إذ غيبت في المحكمة المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية التي حرصت على تأكيد "أن كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته..."، فقرينة البراءة لا وجود لها، بدليل أن الاعتقال الاحتياطي حطم كل الأرقام القياسية، علما أنه تدبير استثنائي تمارسه النيابة العامة في ظروف استثنائية، مثل حالة الخطر وعدم توفر المتهم على ضمانات الحضور أو أن يعتبر تمتيعه بالسراح المؤقت تهديدا للأمن العام، فالاعتقال الاحتياطي حصنه المشرع بضمانات كبيرة.
في محكمة القطب الجنحي بالبيضاء، الاستثناء تحول إلى قاعدة، ووكيل الملك أصبح، حسب بعض المتتبعين، مختصا في التأشير على وضع كل مشتبه فيه رهن الاعتقال الاحتياطي، رغم أن بعض التهم بسيطة جدا، مثل حالة السكر أو نزاع بسيط بين شخصين انتهى بتنازل أحدهما عن شكايته، ففي نظر وكيل الملك لا وجود للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالصلح، فهي مغيبة لأسباب مجهولة.
وبديهيا، لم تسهم هذه الإجراءات إلا في تغييب روح القانون، علما أن هناك مذكرة وزارية نبهت إلى اكتظاظ السجون بسبب التشدد في إيداع المتهمين السجن، كما
أن تقارير سابقة أشارت إلى أن 24 في المائة من مجموع الاحتياطيين الوافدين على المؤسسات السجنية، لم يكن ضروريا إيداعهم هذه السجون، لحصولهم على أحكام بالبراءة، أو سقوط الدعوى العمومية أو السراح المؤقت أو العقوبة الحبسية الموقوفة أو الإعفاء من المسؤولية أو عدم المتابعة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بمحكمة القطب الجنحي بالبيضاء، إذ تشير الأخبار الواردة من عين السبع إلى أن القضاة يشتكون من "التدخل" في الأحكام، ويتداول القضاة قصة حكم بالبراءة، إلا أن وكيل الملك راسل إحدى الجهات يحثها على إجراء البحث في العلاقة العائلية بين القاضي وأفراد من عائلة المتهم. وكشف آخرون أن الوكيل نفسه سبق أن صرح أثناء استقبال القضاة الجدد "أنه يتمنى أن يكونوا في المستوى أما القضاة الحاليون فـ "مشوهون"، وفي حادثة أخرى، سارع الوكيل إلى التنقيب في وجبة غذائية لقاض، لأسباب مجهولة، لكنها تجعل كل قضاة المحكمة في سلة واحدة.
ولأن سلطة الوكيل تمتد إلى كل الجسم القضائي، فقد هدد بإيقاف كتاب الضبط لأنهم نظموا وقفة احتجاجية بالمحكمة رفقة أفراد من أسرهم، في حين استسلم أغلب نوابه للبطالة المقنعة، لأنه يتعامل فقط مع فئة قليلة منهم، ولا يثق في الباقين.
إن مسؤولية الأوضاع الحالية بمحكمة القطب الجنحي بالبيضاء لا تسر عدوا ولا صديقا، وألسنة نيرانها امتدت إلى كل الجسم القضائي، مما يفرض تدخلا عاجلا لوزير العدل بصفته رئيس النيابة العامة، والوكيل العام للملك بالبيضاء، لإعادة سير العدالة إلى مجراه الطبيعي، بعيدا عن المغالاة والتشدد الذي يؤجج جو الاحتقان.
خالد العطاوي



